ابن قيم الجوزية
93
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين
عزم الأمور ) ( آل عمران : 186 ) وقال : ( إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ) ( يوسف : 9 ) فالصبر والتقوى دواء كل داء من أدواء الدين ، ولا يستغني أحدهما عن صاحبه . فإن قيل : فهل يثاب على الصبر في هذا القسم إذا كان عاصياً مفرطاً يتعاطى أسبابه وهل يكون معاقباً على ما تولد منه وهو غير اختياري له ؟ . قيل : نعم إذا صبر لله تعالى وندم على ما تعاطاه من السبب المحظور أثيب على صبره لأنه جهاد منه لنفسه وهو عمل صالح والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً وأما عقوبته على ما تولد منه فإنه يستحق العقوبة على السبب وما تولد منه كما يعاقب السكران على ما جناه في حال سكره فإذا كان السبب محظوراً لم يكن السكران مقدوراً فإن الله سبحانه يعاقب على الأسباب المحرمة وعلى ما تولد منها كما يثيب على الأسباب المأمور بها وعلى ما تولد منها ولذا كان من دعا إلى بدعة وضلالة فعليه من الوزر مثل أوزار من أتبعه لأن اتباعهم له تولد عن فعله ولذلك كان علي ابن آدم القاتل لأخيه كفل من ذنب كل قاتل إلى يوم القيامة وقد قال تعالى : ( ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ) أن ( النحل : 25 ) وقال تعالى : ( وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم ) ( العنكبوت : 13 ) . فإن قيل : فكيف التوبة من هذا المتولد وليس من فعله والإنسان إنما يتوب عما يتعلق قيل : التوبة منه بالندم عليه وعدم إجابة دواعيه وموجباته وحبس النفس عن ذلك فإن كان المتولد متعلقاً بالغير فتوبته مع ذلك برفعه عن الغير بحسب الإمكان ولهذا كان من توبة الداعي إلى البدعة أن يبين أن ما كان يدعو إليه بدعة وضلالة وأن الهدى في ضده كما شرط تعالى في توبة أهل الكتاب الذين كان ذنبهم كتمان ما أنزل الله في البينات والهدى ليضلوا الناس بذلك أن